النووي

42

روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )

انْدَفَعَتْ شَهَادَتُهُمَا . وَلَوْ أَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَاهِدَيْنِ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَقَرَّ بِأَنَّ شَاهِدَيْهِ شَرِبَا الْخَمْرَ وَقْتَ كَذَا ، فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ لَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ رَدَّ الشَّهَادَةِ ، وَإِنْ قَصَرَتْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا ، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ أَقَرَّ بِأَنَّهُمَا شَرِبَا الْخَمْرَ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَقْتٍ ، سُئِلَ الْمُدَّعِي عَنْ وَقْتِهِ ، وَحُكِمَ بِمَا يَقْتَضِيهِ تَعْيِينُهُ ، وَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً ، ثُمَّ قَالَ لِلْقَاضِي : لَا تَحْكُمُ بِشَيْءٍ حَتَّى تُحَلِّفَهُ ، بَطَلَتْ بَيِّنَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُعْتَرِفِ بِأَنَّهَا مِمَّا لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهَا . قُلْتُ : هَذَا مُشْكَلٌ ، فَقَدْ يَقْصِدُ تَحْلِيفَهُ لِيُقِيمَ الْبَيِّنَةَ ، وَيُظْهِرَ إِقْدَامَهُ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ الَّتِي لَا تَقْتَضِي قَدْحًا فِي الْبَيِّنَةِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَبْطُلَ الْبَيِّنَةُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ إِذَا طَلَبَ الْمُدَّعِي يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ ، فَقَالَ لِلْحَاكِمِ : قَدْ حَلَّفَنِي مَرَّةً عَلَى هَذَا بِطَلَبِهِ ، فَلَيْسَ لَهُ تَحْلِيفِي ، فَإِنْ حَفِظَ الْقَاضِي مَا قَالَهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ ، وَمَنَعَ الْمُدَّعِيَ مِمَّا طَلَبَ ، وَإِنْ لَمْ يَحْفَظْهُ حَلَّفَهُ ، وَلَا يَنْفَعُهُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ ، لِمَا سَبَقَ أَنَّ الْقَاضِيَ مَتَى تَذَكَّرَ حُكْمَهُ أَمْضَاهُ ، وَإِلَّا فَلَا يَعْتَمِدُ بَيِّنَةً ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاصِّ جَوَازُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ ، حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَمُقْتَضَاهُ الطَّرْدُ فِي كُلِّ بَابٍ ، وَإِنْ قَالَ : حَلَّفَنِي عِنْدَ قَاضٍ آخَرَ وَأَطْلَقَ ، وَأَرَادَ تَحْلِيفَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَوَجْهَانِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاصِّ بِالْمَنْعِ ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعِي أَنَّهُ حَلَّفَهُ عَلَى أَنَّهُ مَا حَلَّفَهُ ، وَهَكَذَا فَيَدُورُ الْأَمْرُ ، وَلَا يَنْفَصِلُ ، وَأَصَحُّهُمَا - وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ - يُمَكَّنُ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ مُحْتِمَلٌ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ ، وَلَا يُسْمَعُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الْمُدَّعِي ، لِئَلَّا